ابن رشد

228

تهافت التهافت

قلت : أما من لا دليل له على أن الأول ليس بجسم إلا من طريق أنه قد صح عنده أن كل جسم محدث فما أوهى دليله وأبعده من طبيعة المدلول لما تقدم من أن بياناتهم التي بنوا عليها أن كل جسم محدث بيانات مختلفة . وما أحرى من جوز مركبا قديما كما حكيته هاهنا عن الأشعرية أن يجوز وجود جسم قديم لأنه يكون من الأعراض على هذا ما هو قديم وهو التركيب ، مثلا فلا يصح برهانهم على أن كل جسم محدث ، لأنهم إنما بنوا ذلك على حدوث الأعراض . والقدماء من الفلاسفة ليس يجوزون وجود جسم قديم من ذاته ، بل من غيره ، ولذلك لا بد عندهم من موجود قديم بذاته هو الذي صار به الجسم القديم قديما . لكن إن نقلنا أقاويلهم في هذا الموضع صارت جدلية ، فلتستبن في مواضعها . وأما قوله في الاعتراض على هذا : قلنا : قد أبطلنا عليكم هذا ، وبينا أنه لا دليل عليه سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه لبعض كان معلولا . فإنه يريد أنه قد تكلم فيما سلف وقال أنه لا دليل لهم على أن واجب الوجود بذاته لا يكون جسما ، لأن معنى واجب الوجود بذاته لا علة له فاعلة ، فمن أين منعوا وجود جسم لا علة له فاعلة لا سيما إذا وضع جسما بسيطا غير منقسم لا بالكمية ولا بالكيفية ، وبالجملة مركب قديم لا مركب له . وهي معاندة صحيحة لا ينفصل عنها إلا بأقاويل جدلية . وجميع ما في هذا الكتاب لأبي حامد على الفلاسفة وللفلاسفة عليه أو على ابن سينا كلها أقاويل جدلية من قبل اشتراك الاسم الذي فيها . ولذلك لا معنى للتطويل في ذلك . وقوله : مجيبا عن الأشعرية القديم من ذاته لا يفتقر إلى علة من قبلها كان قديما ، فإذا وضعنا نحن قديما من قبل ذاته ووضعنا الذات علة للصفات فلم تصر الذات قديمة من أجل غيرها . قلت : قد يلزمه أن يكون القديم مركبا من علة ومعلول ، وأن تكون الصفات قديمة من قبل علة وهي الذات . فإن كان المعلول ليس شرطا في وجوده ، فالقديم هو العلة . فلنقل : إن الذات القائمة بذاتها هي الإله وإن الصفات معلولة فيلزمهم أن يضعوا شيئا قديما بذاته وأشياء قديمة بغيرها ،